الدوحة - صوت الإمارات
لم تنته مأساة حصار وتجويع بلدة "مضايا" السورية بعد ، حتى ظهرت للعيان قصة جديدة على غرارها في مدينة "معضمية الشام" القريبة من مضايا والواقعة غربي العاصمة السورية دمشق، حيث وجه ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي نداءات استغاثة للعالم بغية إنقاذ أهل مدينة "المعضمية" من الحصار والجوع وتداعيات "مأساة المعد الخاوية"، وسط تدهور متسارع للأوضاع الإنسانية هناك وتصاعد خوف الأهالي على حياة أطفالهم في ظل فقدان المدينة حتى لحليب الأطفال وأبسط متطلبات العيش.
وشهدت المدينة المحاصرة التي تحتل موقعا استراتيجيا بالقرب من مطار "المزة" العسكري الحيوي لجيش النظام العديد من حالات الوفاة جراء الجوع والحصار المطبق، ناهيك عن أمراض انعدام التغذية، وسط تعرض البلدة للقصف اليومي، لا سيما وأنها من أوائل المدن التي انبثقت منها الثورة قبل قرابة الخمس سنوات والتي عانى أهلها أيضا من القتل والتشريد والاعتقال والتعذيب.
ويواجه عشرات الآلاف ممن يقطنون مدينة "المعضمية" خطر الموت جوعا، إذا لم يتدخل المجتمع الدولي لفك الحصار وإرسال المساعدات الغذائية والطبية اللازمة، في وقت تدك فيه قوات النظام السوري المدينة المحاصرة بالبراميل المتفجرة، بغية تفويت أي فرصة للاتحاد بين قوى المقاومة المكونة من فصائل "الجيش الحر" في كل من "المعضمية، وداريا"، حيث تعد الأخيرة من كبريات المدن السورية وتجتهد قوات النظام لبقاء كل من "درايا والمعضمية" تحت سيطرتها. ويعود حصار القوات النظامية لـ"المعظمية" التي يطلق عليها ناشطون اسم "خاصرة دمشق"، لاستراتيجية موقعها، لعام 2013، تخلل ذلك الحصار هدنة لإدخال المساعدات، إلا أنها سرعان ما باءت بالفشل، بسبب خرق النظام لها ومعاودته إطباق الحصار الذي بلغ أشده هذه الأيام، حيث يلجأ سكان المدينة المحاصرة إلى البحث عما يأكلونه من الحاويات، إذا احتوت أصلا على بقايا طعام، في مشهد يكرر ما واجهه سكان بلدة مضايا من تجويع وأمراض ووفيات في ظل فصل الشتاء القاسي هذا العام، وعجز المستشفيات عن تقديم أية مساعدة طبية، بسبب انعدام المستلزمات الدوائية جراء الحصار. وتدفع مدينة "معضمية الشام" ثمنا باهظا لقاء مواقفها من النظام فمنذ انطلاق الثورة السورية من محافظة درعا كان شبابها أول من لبى نداء الحرية فخرجوا نصرة لدرعا عام 2011، وبذلك كانوا الشرارة الأولى للثورة في دمشق وريفها وتوالت المظاهرات بعد ذلك بشكل متزايد، قابلها المزيد من الممارسات القمعية للنظام. وبرغم حملات الاعتقال الممنهجة من قبل النظام السوري وسقوط الشهداء، إلا أن هذه المدينة رفضت الاستسلام فكانت الجمعة العظيمة جمعة معضمية الشام التي أسفرت عن استشهاد
وجرح عدد كبير من المتظاهرين السلميين من الذين واجهوا الرصاص الحي الكثيف من قبل عناصر الأمن والجيش وتتالت المظاهرات السلمية الرافضة لقمع النظام السوري إلى أن تشكلت في المدينة أول كتيبة للجيش الحر دفاعا عن "العرض والأرض" وفقا لناشطين، وبدأت مرحلة جديدة من النضال التي جوبهت برد قاس من النظام باستخدامه كافة أنواع الأسلحة من طيران ومدفعية وصواريخ ناهيك عن المجازر الكيماوية.
ومنذ انطلاق الثورة تعرضت أجزاء كبيرة من المدينة للدمار وخاصة المساجد بعد استهداف قوات النظام لها مثل "جامع الزيتونة" الذي يعد الأقدم فيها والشاهد على تخريج علماء الدين المشهود لهم وبمسيرتهم، كما لم تسلم مساجد أخرى من الاستهداف، في وقت يستمر فيه النظام بكسر شوكة المقاومة بشتى السبل وحتى المحرمة دوليا منها. ويجتهد سكان المدينة المحاصرة ببث رسائل الاستنهاض للمجتمع الدولي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مطلقين الصرخات والنداءات المتكررة، حيث كتبت إحدى الناشطات على صفحتها عبر الفيسبوك "معضمية الشام.
. الموت البطيء أنقذوا ما تبقى منها" مرفقة إياها بصورة لعجوز تئن تحت وطأة الجوع وتحمل لافتة كتب عليها ذات العبارة، فيما يبث "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" على صفحته على الفيسبوك تقريرا مصورا يسلط الضوء على مأساتي "المعضمية ومضايا" مطلقا نداء مفاده "المساعدات لا تكفي.
. لابد من فك الحصار". عشرات الوفيات جراء الجوع والحصارويتصاعد خوف سكان مدينة "معضمية الشام" المحاصرة من استمرار الحصار المفروض على المدينة، وملاقاة ذات مصير بلدة "مضايا" التي شهدت عشرات الوفيات جراء الجوع والحصار، حيث نقل عن طفل سوري يقطن "المعضمية" قوله "أريد الاستشهاد.. من أجل أن أجد طعاما بالجنة".
في وقت أعلنت فيه فرق الأمم المتحدة العاملة على أرض سوريا أن أكثر من 450 ألف مدني محاصرون في شتى أنحاء سوريا ويتعرضون لخطر الموت جوعا، فيما كان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أعلن مؤخرا أن حصار المدن السورية بهدف تجويعها يشكل "جريمة حرب"، وأنه فعل محظور بموجب القانون الإنساني الدولي. وأمام هذه المأساة الإنسانية يناشد سكان البلدة المجتمع الدولي "لفك الحصار الخانق الذي تفرضه قوات النظام على بلدتهم"، محذرين من تكرار مأساة بلدة "مضايا"، مؤكدين في الوقت عينه على أهمية "فتح ممر إنساني كحل جذري لإنهاء الحصار والحد من حالة التدهور الإنساني"، خاصة وأن قوات النظام كانت أغلقت مؤخرا المعبر الإنساني الوحيد في البلدة أمام أكثر من 45 ألف مدني، معظمهم من المدنيين الذين هربوا من مدينة بلدة "داريا" المجاورة. وكانت بلدة "مضايا" السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة، منذ سبعة أشهر قد واجهت حصاراً خانقاً، منعت خلاله قوات النظام دخول كافة أنواع المساعدات الإنسانية، ما تسبب في ارتفاع كبير للأسعار، الأمر الذي اضطر الأهالي إلى غلي الأعشاب وأكلها وجمع الطعام من بقايا القمامة، وصولا إلى شرب المياه غير النظيفة، بحسب مشاهد مسجلة بثها ناشطون على مختلف شبكات التواصل الاجتماعي.
ويتصاعد الخوف من تكرار لاحق لسيناريوهات الجوع والحصار في بلدات سورية أخرى غير "مضايا والمعضمية" منها 13 منطقة سورية تحاصرها قوات النظام ويتهدد سكانها الموت جوعا، ومن بين هذه المناطق مدينة "الزبداني" القريبة من مضايا، التي شهدت بدورها اشتباكات عنيفة بين المعارضة وقوات النظام العام الماضي، إلا أنه سمح بشكل متقطع بإدخال المساعدات إلى المنطقة بعد اتفاق برعاية أممية. هذا وتعاني بلدتا "جيرود والرحيبة" ومدينة "الضمير" الواقعة في القلمون بريف دمشق حصارا منذ عام 2013، في حين تفرض قوات النظام حصاراً عسكرياً وإنسانياً على بلدة "التل" الواقعة شمال دمشق، منذ صيف العام الماضي، ناهيك عن حصار مدينة "كناكر" بريف دمشق ومعاناة منطقة "الغوطة " الشرقية من الحصار والنقص الحاد في الطاقة الكهربائية والمياه الصالحة للشرب. وبحسب سجلات لجان التنسيق المحلية في مدينة دوما بريف دمشق، فقد لقي 601 شخص مصرعهم في المدينة العام المنصرم، 42 بالمائة من القتلى جراء الغارات الجوية، أما الباقي فبسبب سوء التغذية.